مصدر حزب الخلافة  MASHDAR HIZBUL KHILAFAH

  

HIZBUL KHILAFAH

قَالَ النَّبِيُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.رواه البخاري

 

الأصل براءة الذمة

           الأصل براءة الذمة، ولا يعاقب أحد الا بحكم محكمة، ولا يجوز تعذيب أحد مطلقا، وكل من يفعل ذلك يعاقب. وهذا من قواعد الأصول الفقه، وتتضمن فيه ثلاثة أمور: 1- قاعدة الأصل براءة الذمة، 2- عدم إيقاع العقوبة الا بحكم قاض، 3- عدم جواز التعذيب.

            أما الأول وهوالأصل براءة الذمة، فدليله ما روي عن وائل بن حجر قال:"جاء رجل من حضرموت ورجل من كنده الى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الحضرمي: يا رسول الله ، ان هذا قد غلبني على أرض كانت لأبي. قال الكندي : هي أرض في يدي أزرعها ليس له فيها حق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي : ألك بينة ؟ قال: لا، فلك يمينه. فقال : يا رسول الله الرجل فاجر لا يبالي على ما حلفته عليه وليس يتورع من شيئ، قال : ليس لك منه الا ذلك." وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" البينة على المدعي واليمين على من أنكر." ففي الحديث الأول كلف الرسول المدعي بالبينة، وهذا يعني أن المدعي عليه بريئ حتى تثبت أذانته. وفي الحديث الثاني بين رسول الله أن الأصل في وجوب البينة انما هو على المدعي، وهو دليل على أن المدعى عليه بريئ حتى تثبت أذانته.

وأما الأمر الثاني فإن دليله قول الرسول صلى الله عليه وسلم :"من أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه، ومن جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليقتص منه." وقد قال ذلك وهو حاكم وهو يعني من عاقبته دون حق فليقتص مني، وهو دليل على تحريم أن يعاقب الحاكم أحدا من الرعية من غير أن يثبت عليه إرتكاب ذنب يستحق عليه هذه العقوبة. وأيضا ففي قصة الملاعنة قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمتها." وهذا يعني أنه لم يرجمها لعدم وجود بينة مع وجود شبهة فيها، بدليل ما ورد من حديث ابن عباس عن الذين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما حيث جاء ما نصه:" فقال رجل لابن عباس في المجلس : أهي التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو راجمت أحدا بغير بينة رجمت هذه ؟ فقال ابن عباس، لا، تلك إمرئة كانت تظهر في الإسلام السوء." أي كانت تعلن بالفاحشة ولكنه لم يثبت ذلك عليها بينة ولا اعتراف. وهذا يعني ان شبهة الرد كانت موجودة عليها ومع ذلك لم يرجمها الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه لم يثبت عليها فقال:" لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمتها." و "لو" حرف إمتناع  لامتناع فامتنع الرجم لامتناع البينة. وهذا دليل على أن الحاكم لا يجوز له ان يوقع عقوبة على أحد من الرعية الا بعد أن يرتكب ذنبا نص الشرع على أنه ذنب، وبعد أن يثبت ارتكابه هذا الذنب أمام قاض له صلاحية القضاء في مجلس قضاء، لأن البينة لا تعتبر بينة الا إذا كانت أمام قاض له صلاحية القضاء وفي مجلس قضاء. الا أن للحاكم أن يحبس المتهم بذنب قبل ثبوت التهمة ريثما يقدم للمحاكمة للبت في أمر التهمة، غير أن هذا الحبث لا بد أن يكون مدة محددة و لا يصح أن يحبسه من غير تحديد مدة، وأن تكون هذه المدة قصيرة، والدليل على جواز حبس المتهم ما روي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده " أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلا في تهمة ثم خلى عنه." وفي حديث أبي هريرة :"أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس في تهمة يوما وليلة." والدليل على أنه لا بد من تحديد المدة في هذا الحبس أن الرسول حبسه ثم خلى عنه، وأنه حبسه يوما وليلة، ثم أن هذا الحبس ليس عقوبة وإنما هو حبس استظهار لينكشف به بعض ما ورئه.

            وأما الأمر الثالث فهو يشمل عدم إيقاع العقوبة على المتهم قبل أن يثبت عليه الذنب ويشمل عدم جواز إيقاع العقوبة بما جعله الله عذابا في الآخرة وهو النار أي عدم جواز العقوبة بالحرق بالنار. أما عدم ايقاع العقوبة قبل ان يثبت الذنب فإن الدليل عليه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم :" لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمتها." مع أنها كانت إمرئة معروفة بالزنا كما كان يفهم من كلام ابن عباس. فلو كان ايقاع العقوبة بالمتهم ليعترف لعقوبة هذه لنعترف مع أنها تعلن بالفاحشة. فلا يعاقب المتهم مطلقا، ولهذا يحرم ضرب المتهم قبل ثبوت التهمة ويحرم شتمه أو ايقاع أية عقوبة عليه مادام لم يثبت عليه ارتكاب ذنب. ويؤيد هذا ما روي عن ابن عباس قال : شرب رجل فسكر، فلقي يميل في الفج، فانطلق به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما حاذى بدار العباس انفلت فدخل على العباس فالتزمه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فضحك وقال : أفعلها ؟ ولم يأمر فيه بشيئ" فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يقم على ذلك الرجل الحد لكونه لم يقر لديه ولا قامت عليه بذلك الشهادة عنده. وهذا يعني أنه متهم بالسكر ولم يثبت عليه فلم يعاقب حتى يعترف ولم توقع عليه أية عقوبة لمجرد التهمة. ولهذا لا يصح أن توقع أية عقوبة على المتهم قبل ثبوت التهمة عليه أمام قاض له صلاحية القضاء في مجلس قضاء.

            وأما ما روي في حديث الإفك أن عليا رضي الله عنه ضرب الجارية أمام الرسول فإن الجارية لم تكن متهمة فلا يصلح دليلا على جواز ضرب المتهم، على أن حديث ضرب علي لبريرة جارية الرسول قد رواه البخاري أن عليا قال للرسول لسأل الجارية، والرسول هو الذي سألها ولم يذكر فيه أن عليا ضرب الجارية، فقد جاء فيه. وأما علي ابن أبي طالب فقال : يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، وأن تسأل الجارية تصدقك، قالت : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال : أي بريرة " الحديث. وفي رواية أخرى للبخاري " ولقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني فسأل عن خادمتي فقالت لا والله ما علمت عيبا الا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل خميرها أوعجينها، وانتهرها بعض أصحابه فقال أصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اسقطوا ليها به."ولم يذكر البخاري أن عليا ضرب الجارية. غير أنه في روايات أخرى ذكر أن عليا ضرب الجارية فقد ذكر ابن هشام انه ضربها فقد جاء في سيرة ابن هشام " وأما علي فإنه قال : يا رسول الله إن النساء كثير، وإنك لقادر على أن تستخلف، وسل الجاية فانها ستصدقك، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة ليسألها فقام اليها علي بن أبي طالب فضربها ضربا شديدا ويقول : أصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت ، فتقول : والله ما أعلم الا خيرا." وهذه الرواية على فرض صحتها فإنها لا تدل على جواز ضرب المتهم لأن الجارية بريرة لم تكن متهمة في هذه القضية، ولا يقال أنها شاهدة فإنها لم تضرب باعتبارها شاهدة بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم سأل غيرها ولم يضربه فقد سأل زينب بنت جحش ولم يضربها مع أن أختها حمنة بنت جحش كانت تشيع عن عائشة اذ يقول البخاري في حديث الإفك، "قالت وطفقت اختها حمنة تحارب لها فهلكت فيمن هلك" فكانت زينب محل مظنة المعرفة وسئلت ولم تضرب. ولهذا لا يقال أن بريرة ضربت باعتبارها شاهدة فإنها انما ضربت باعتبارها خادمة الرسول، وللرسول صلى الله عليه وسلم أن يضرب خادمته وسأل غيرها وسكت عن ضرب علي لخادمته وعن انتهار الصحابة لها ولم يضرب غيرها مما يدل على أنه إنما جاز ضربها لأنها خادمته. والمرئ أن يضرب خادمه تأديبا أو تحقيقا عن أمر. فهذا الحديث لا يصلح دليلا على جواز ضرب المتهم ولا على جواز ضرب الشاهد بل هو دليل على جواز ضرب الرجل خادمه تأديبا او تحقيقا عن أمر. وبهذا يسقط الإستدلال بهذا الحديث على جواز ضرب المتهم ويبقى الدليل على عدم جواز ضربه قائما وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم " لو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمتها" فلا يحل ضرب المتهم ولا شتمه ولا انتهاره ولا تعذيبه مطلقا، وإنما يصح حبسه لورود الدليل على ذلك.

            هذا بالنسبة لعدم جواز إيقاع العقوبة على المتهم قبل أن يثبت الذنب عليه. أما بالنسبة لعدم جواز ايقاع العقوبة بما جعله العقوبة بما جعله الله عذابا في الآخرة فإن الدليل عليه ما روي عن عكرمة قال :"أتي أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تعذبوا بعذاب الله" وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "وأن النار لا يعذب بها الا الله" وأخرج أبو داوود من حديث ابن مسعود في قصة بلفظ " وأنه لا ينبغي أن يعذب بالنار الا رب النار." وعلى هذا فإنه اذا ثبت على المتهم أمام قاض له صلاحية القضاء وفي مجلس قضاء أنه إرتكب الجريمة المتهم بها فإنه لا يجوز ان يعاقب بالنار ولا بما هو مثلها مثل الكهرباء ولا بشيئ يعذب به الله. وكذلك لا يجوز أن يوقع عليه الا العقوبات التي نص الشارع عليها. فالشارع قد حدد العقوبات التي يعاقب بها المذنبون، وهي القتل، والجلد، والرجم، والنفي، والقطع، والحبس، واتلاف المال، والتغريم، والتشهير، والكي بالنار لأي جزء من أجزاء الجسم، وما عداها لا يحل ان يعاقب به أحد، فلا يعاقب أحد بالحرق بالنار، ولكن يجوز أن يحرق ماله. ولا يعاقب أحد بقلع الأظافر، أو رموش العين، ولا بتسليط الكهرباء عليه، أو بأغراقه بالماء، أو بصب الماء البارد عليه، أو بتجويعه، او بابقائه دون حاجات تحمي من البرد، او غير ذلك. بل يقتصر في معاقبته على ما ورد الشرع به من عقوبات، وما عدا ذلك يحرم على الحاكم أن يجعله عقابا لمذنب. ولهذا لا يجوز تعذيب أحد مطلقا، ومن فعل ذلك خالف الشرع. وإذا ثبت ان أحدا قد عذب غيره فإنه يعاقب على ذلك. والله أعلم بالصواب.

 تحميل      الصفحة الرئيسية